محمد أبو زهرة
1190
زهرة التفاسير
وللرسول ، فمن اتبع الرسول لا يطيع الرسول فقط ، بل يطيع اللّه رب العالمين ، وما كان الرسول ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحى يوحى ، والسبب في التكرار في ذاته هو تأكيد المعنى الذي قررناه ، وهو أن محبة العبد للرب ليس لها طريق إلا الاتباع ، ولذا يقول الزمخشري في الكشاف : « من ادعى محبته وخالف سنة رسوله فهو كذاب ، وكتاب اللّه يكذبه ، وإذا رأيت من يذكر محبته ، ويصفق بيديه مع ذكرها ، ويطرب وينعر ويصفق ، فلا تشك في أنه لا يعرف ما اللّه ، ولا يدرى ما محبة اللّه . وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا لأنه تصور في نفسه الخبيثة صورة مستملحة معشقة فسماها اللّه بجهله ودعارته ثم صفق وطرب ونعر وصعق على تصورها » . وهنا إشارة بلاغية تتفق مع المقصد الأسمى من الآيتين الكريمتين ، وهو إثبات أن محبة اللّه تعالى طريقها المستقيم الذي لا عوج فيه هو اتباع الرسول ، وتلك الإشارة أنه سبحانه قال : قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فقد ذكر الأمر بالإطاعة غير مكرر عند العطف ، فلم يقل : أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول ، وعدم التكرار يومئ إلى أن الطاعة واحدة ، وأن إطاعة الرسول إطاعة لله تعالى ، كما صرح سبحانه وتعالى بذلك في قوله تعالى : مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ( 80 ) [ النساء ] وإن من إعجاز القرآن الكريم أن تكون العبارات والإشارات البيانية كلها تتجه إلى مقصد النص الكريم وترشح له . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ أي فإن أعرضوا عن اتباع ما تدعوهم وهو اتباعك الذي به تكون إطاعة اللّه ومحبته ، فإنهم لا ينالون محبة اللّه تعالى ؛ لأنهم كافرون ؛ إذ تعمدوا ألا يطيعوك ، وأنكروا أن اتباعك طريق محبة اللّه رب العالمين . ففي هذا النص الكريم دلالة على أن محبة اللّه لا ينالها إلا من يتبع الرسول بأبلغ ما يكون من بيان ، وذلك لوجوه :